محمد صلاح في دوري أبطال أوروبا.. من حلم بازل إلى 50 هدفًا ووداع أوروبي يليق بالملك المصري
لم تكن علاقة محمد صلاح بدوري أبطال أوروبا مجرد مشاركة في أكبر بطولة للأندية في القارة، بل كانت رحلة طويلة مرّ خلالها اللاعب المصري بمراحل مختلفة، من الموهبة الصاعدة مع بازل السويسري، إلى تجربة قصيرة مع تشيلسي، ثم التألق مع روما، قبل أن يجد في ليفربول المسرح المثالي ليكتب واحدة من أهم الصفحات في تاريخ اللاعبين العرب والأفارقة في البطولة.
وعلى مدار سنواته الأوروبية، تحول صلاح من لاعب يبحث عن إثبات نفسه في البطولة إلى نجم قادر على تسجيل الأهداف أمام كبار أوروبا، وترك بصمته في الأدوار الإقصائية والنهائيات.
ومع نهاية موسم 2025-2026، أُغلقت صفحة صلاح مع ليفربول، بعدما أنهى تسع سنوات مع النادي الإنجليزي، كان دوري أبطال أوروبا أحد أهم فصولها.
البداية.. بازل يفتح لصلاح باب دوري الأبطال
كانت البداية الأوروبية لمحمد صلاح في دوري أبطال أوروبا مع بازل السويسري، الذي منحه الفرصة للظهور على أكبر مسرح أوروبي.
لم يكن صلاح وقتها النجم الذي يعرفه العالم اليوم، لكنه امتلك السرعة والجرأة والقدرة على اللعب في المساحات، وهي الصفات التي جعلته سريعًا محط أنظار الأندية الأوروبية.
وخلال تجربته مع بازل، شارك صلاح في 6 مباريات بدوري أبطال أوروبا وسجل هدفين وفق سجلات UEFA الخاصة بالبطولة.
كانت تلك المشاركة بمثابة بطاقة تعريف أولى للاعب المصري في أوروبا، قبل أن ينتقل إلى تشيلسي.
تشيلسي.. خطوة كبيرة لم تكتمل
انتقال صلاح إلى تشيلسي كان خطوة ضخمة في مسيرته، لكنه لم يحصل على المساحة الكافية لإظهار قدراته في الدوري الإنجليزي أو دوري أبطال أوروبا.
شارك مع النادي اللندني في مباراتين بدوري أبطال أوروبا دون تسجيل أهداف.
وبعدها جاء الانتقال إلى إيطاليا، حيث ارتدى قميص فيورنتينا ثم روما، وهناك بدأت مسيرته تستعيد بريقها.
روما.. العودة إلى الطريق الصحيح
مع روما، بدأ صلاح يستعيد صورته كلاعب قادر على صناعة الفارق في المباريات الأوروبية الكبرى.
شارك في 7 مباريات بدوري أبطال أوروبا مع روما وسجل هدفًا واحدًا وفق سجلات UEFA.
لكن الأهم من الأرقام أن التجربة الإيطالية أعادت بناء اللاعب فنيًا وتكتيكيًا.
في روما، أصبح صلاح أكثر نضجًا في التحرك بدون كرة، وأكثر قدرة على اللعب في المساحات خلف المدافعين، كما تطورت قدرته على الدخول من الطرف إلى العمق.
وكانت تلك المرحلة مقدمة مباشرة للانفجار الذي سيحدث بعد انتقاله إلى ليفربول.
ليفربول.. هنا بدأ تاريخ صلاح الحقيقي في دوري الأبطال
في صيف 2017، انتقل محمد صلاح إلى ليفربول، ومنذ موسمه الأول بدأ يظهر بصورة مختلفة تمامًا.
لم يعد اللاعب المصري مجرد جناح سريع يمتلك مهارة فردية، بل أصبح عنصرًا هجوميًا قادرًا على التسجيل باستمرار، والتحرك بين الخطوط، واستغلال المساحات خلف الدفاع.
وفي دوري أبطال أوروبا تحديدًا، جاءت لحظة التحول الكبرى في موسم 2017-2018.
قاد صلاح ليفربول إلى النهائي، وسجل أهدافًا مهمة طوال البطولة، قبل أن يتعرض للإصابة أمام ريال مدريد في النهائي بعد التحام مع سيرخيو راموس.
خرج صلاح من المباراة مبكرًا، وخسر ليفربول النهائي بنتيجة 3-1.
لكن تلك النسخة كشفت أن اللاعب المصري أصبح بالفعل من نجوم البطولة.
2019.. ليلة مدريد التي غيّرت كل شيء
إذا كان موسم 2018 قد قدم صلاح للعالم كنجم أوروبي كبير، فإن موسم 2018-2019 وضعه في التاريخ.
ليفربول خسر مباراة الذهاب أمام برشلونة بثلاثة أهداف نظيفة في نصف النهائي، وبدا أن مهمة العودة إلى النهائي شبه مستحيلة.
لكن ملعب أنفيلد شهد واحدة من أعظم مباريات العودة في تاريخ دوري أبطال أوروبا.
فاز ليفربول على برشلونة 4-0، وتأهل إلى النهائي.
وفي النهائي أمام توتنهام، سجل صلاح الهدف الأول من ركلة جزاء بعد ثوانٍ من البداية، قبل أن ينتهي اللقاء بفوز ليفربول 2-0 وتتويجه بلقب دوري أبطال أوروبا.
كان ذلك أول لقب أوروبي كبير في مسيرة صلاح، والأول لليفربول في البطولة منذ عام 2005.
ومن هنا أصبح اسم محمد صلاح مرتبطًا رسميًا بتاريخ ليفربول الأوروبي.
2020.. بطل أوروبا يدخل مرحلة جديدة
بعد الفوز بدوري الأبطال، لم يتعامل صلاح مع البطولة باعتبارها محطة انتهت، بل واصل التسجيل في النسخ التالية.
وأصبح أحد العناصر الثابتة في تشكيلة ليفربول الأوروبية، حتى عندما تغير شكل الفريق وتطورت المنافسة.
ومع مرور السنوات، تراكمت أهداف صلاح في البطولة، وأصبح أحد أكثر اللاعبين تسجيلًا في تاريخ دوري أبطال أوروبا.
وبحلول سبتمبر 2025، كان صلاح قد تجاوز تييري هنري في قائمة الهدافين التاريخيين للبطولة، بعدما سجل هدفه رقم 52 في دوري الأبطال وفق احتساب يشمل التصفيات، ليحتل المركز العاشر وقتها في القائمة.
موسم 2025-2026.. الرقم التاريخي وبلوغ نصف قرن من الأهداف
كان الموسم الأخير لصلاح مع ليفربول في دوري أبطال أوروبا مختلفًا.
ففي دور الـ16، واجه ليفربول غلطة سراي، وخسر مباراة الذهاب في إسطنبول بهدف دون رد، قبل أن يقدم الفريق الإنجليزي مباراة قوية في الإياب على ملعب أنفيلد وينتصر 4-0.
سجل صلاح الهدف الرابع، لكنه كان أكثر من مجرد هدف عادي.
كان الهدف الذي وصل به إلى 50 هدفًا في دوري أبطال أوروبا، ليصبح أول لاعب إفريقي في التاريخ يصل إلى هذا الرقم في البطولة.
وكان المشهد أكثر رمزية لأن الرقم جاء في آخر موسم لصلاح مع ليفربول، وفي ليلة احتاج فيها الفريق إلى شخصيته من أجل قلب النتيجة والتأهل.
لكن الرحلة الأوروبية لم تستمر طويلًا بعد ذلك.
واجه ليفربول باريس سان جيرمان في ربع النهائي، وخسر مباراة الذهاب في باريس 2-0.
وفي مباراة العودة على ملعب أنفيلد، حاول ليفربول العودة، لكن باريس صمد وتأهل إلى نصف النهائي بعد الفوز 4-0 في مجموع المباراتين. وكانت تلك المباراة آخر ظهور لصلاح مع ليفربول في دوري أبطال أوروبا.
وهكذا انتهت رحلة اللاعب المصري في البطولة بقميص ليفربول.
أرقام محمد صلاح في دوري أبطال أوروبا
تحتاج أرقام صلاح في دوري الأبطال إلى توضيح مهم، لأن بعض المصادر تختلف في طريقة احتساب التصفيات والمباريات الرسمية للبطولة.
وفق سجل UEFA الخاص بمباريات دوري أبطال أوروبا، وصل صلاح إلى 98 مباراة و50 هدفًا في البطولة، منها:
| النادي | المباريات | الأهداف |
|---|---|---|
| بازل | 6 | 2 |
| تشيلسي | 2 | 0 |
| روما | 7 | 1 |
| ليفربول | 83 | 47 |
| الإجمالي | 98 | 50 |
وتوضح UEFA أن هذا التصنيف خاص بسجل دوري أبطال أوروبا، بينما تختلف بعض الإحصاءات عند إضافة التصفيات أو اعتماد طرق أخرى لاحتساب المشاركات.
وفي المقابل، سجل ليفربول الرسمي أشار في ختام مسيرة صلاح مع النادي إلى 48 هدفًا له في دوري أبطال أوروبا بقميص الريدز، وهو اختلاف ناتج عن طريقة تصنيف بعض المباريات الأوروبية.
ولهذا، فإن الرقم الأكثر وضوحًا عند الحديث عن دوري أبطال أوروبا بنظامه الأساسي وفق UEFA هو:
50 هدفًا.
صلاح بين كبار هدافي دوري الأبطال
الوصول إلى 50 هدفًا وضع محمد صلاح في قائمة تاريخية تضم نخبة من أعظم الهدافين في تاريخ البطولة.
وبحسب UEFA، أصبح صلاح أول لاعب إفريقي يصل إلى حاجز الخمسين هدفًا في دوري الأبطال، كما دخل قائمة اللاعبين الذين وصلوا إلى هذا الرقم أو تجاوزوه.
وهذه النقطة تحديدًا مهمة جدًا في تقييم مسيرته.
فصلاح لم يحقق الرقم مع نادٍ واحد فقط منذ البداية، وإنما جمع أهدافه بين بازل وتشيلسي وروما وليفربول، قبل أن تصبح معظم بصمته الأوروبية مرتبطة بالنادي الإنجليزي.
لماذا نجح صلاح في دوري الأبطال؟
نجاح صلاح الأوروبي لم يكن صدفة، وإنما نتيجة مجموعة من العوامل الفنية.
السرعة في المساحات
دوري أبطال أوروبا يمنح اللاعبين الهجوميين مساحات أكبر من بعض المباريات المحلية، وصلاح كان دائمًا من أفضل اللاعبين في استغلال المساحات خلف الدفاع.
التحرك من الجناح إلى العمق
لم يكن صلاح جناحًا تقليديًا يلتزم بالخط.
كان يتحرك من الجناح الأيمن إلى العمق، ويدخل منطقة الجزاء باستمرار، وهو ما جعله حاضرًا أمام المرمى أكثر من معظم الأجنحة التقليديين.
القدم اليسرى
اعتماد صلاح على قدمه اليسرى من الجناح الأيمن منحه أفضلية كبيرة.
يستلم الكرة على الطرف، يواجه المدافع، ثم يدخل إلى الداخل بحثًا عن التسديد أو التمريرة الأخيرة.
الشخصية في المباريات الكبرى
أحد أهم أسباب نجاحه الأوروبي كان عدم اختفائه أمام كبار القارة.
ريال مدريد، برشلونة، مانشستر سيتي، باريس سان جيرمان وغيرها من الأندية الكبرى كانت جزءًا من مسيرته الأوروبية.
ولم يكن صلاح مجرد لاعب يظهر أمام الفرق الصغيرة، بل امتلك لحظات مهمة أمام أقوى المنافسين.
النهائيان.. بين إصابة مؤلمة ولقب تاريخي
ربما لا توجد صورة تختصر علاقة صلاح بدوري الأبطال أكثر من نهائيين.
في 2018، خرج مصابًا أمام ريال مدريد بعد بداية قوية لمسيرته الأوروبية، وعاش واحدة من أصعب لياليه الرياضية.
وبعد عام واحد فقط، عاد إلى النهائي أمام توتنهام وسجل الهدف الأول، ليقود ليفربول إلى اللقب.
الفارق بين المشهدين يلخص شخصية اللاعب.
سقوط في النهائي الأول.. ثم عودة إلى النهائي التالي ورفع الكأس.
وداع دوري الأبطال.. نهاية فصل وبداية ذاكرة جديدة
مع نهاية موسم 2025-2026، انتهت رحلة صلاح مع ليفربول.
النادي أعلن أن اللاعب سيغادر بعد تسع سنوات، بعدما سجل 257 هدفًا في 441 مباراة مع الفريق، وكان من أبرز لاعبي الجيل الذي أعاد ليفربول إلى قمة أوروبا وإنجلترا.
وبعد انتقاله إلى طرابزون سبور في صيف 2026، لم يعد صلاح ضمن المشاركين في دوري أبطال أوروبا مع فريقه الجديد، لتصبح مباراة باريس سان جيرمان الأخيرة له في البطولة بقميص ليفربول.
وهكذا انتهت واحدة من أهم رحلات لاعب عربي وإفريقي في تاريخ البطولة.
الحكم النهائي.. هل صلاح أحد أعظم الأفارقة في تاريخ دوري الأبطال؟
الإجابة أصبحت أقرب إلى الحسم.
الأرقام تقول إنه أول لاعب إفريقي يصل إلى 50 هدفًا في دوري أبطال أوروبا.
والبطولات تقول إنه بطل للمسابقة مع ليفربول.
واللحظات تقول إنه سجل في نهائي، وشارك في نهائيات، وصنع الفارق في مباريات إقصائية كبرى.
والاستمرارية تقول إنه ظل لسنوات أحد أهم الأجنحة الهجومية في أوروبا.
ولهذا، عندما يتحدث أوستي سبورت بالعربي عن أفضل اللاعبين الأفارقة في تاريخ دوري أبطال أوروبا، فإن وجود محمد صلاح في المقدمة ليس مجاملة للاعب المصري، وإنما نتيجة مباشرة لما قدمه في البطولة.
صلاح لم يصل إلى المجد الأوروبي من أقصر طريق.
بدأ من بازل، ثم تعثر في تشيلسي، واستعاد نفسه في روما، قبل أن يجد في ليفربول المكان الذي صنع فيه إرثه الحقيقي.
ومن هدفه الأول في أوروبا إلى هدفه رقم 50، مرت سنوات طويلة تغير خلالها اللاعب والنادي والبطولة نفسها.
لكن بقي شيء واحد ثابت:
محمد صلاح كان دائمًا يبحث عن اللحظة الكبيرة.
وفي دوري أبطال أوروبا، حصل على لحظته بالفعل.
50 هدفًا.. لقب أوروبي.. نهائيان.. وذكريات ستبقى جزءًا من تاريخ البطولة.











