زين الدين زيدان.. الساحر الذي كتب التاريخ بلمسة واحدة وصنع مجد ريال مدريد

زين الدين زيدان.. الساحر الذي كتب التاريخ بلمسة واحدة وصنع مجد ريال مدريد

هناك لاعبون يمرون على كرة القدم، وهناك لاعبون يتركون فيها أثرًا لا يُمحى. وبين الفئتين يقف زين الدين زيدان، أحد أكثر اللاعبين أناقة وتأثيرًا في تاريخ اللعبة.

زيدان لم يكن مجرد لاعب خط وسط يمتلك مهارات استثنائية، بل كان قادرًا على تحويل أصعب المباريات إلى مساحة لاستعراض العبقرية. من شوارع مرسيليا إلى قمة الكرة العالمية، ومن يوفنتوس إلى ريال مدريد، ثم من قيادة فرنسا إلى كأس العالم إلى صناعة واحدة من أعظم قصص التدريب في تاريخ النادي الملكي.

وعندما يُذكر ريال مدريد، فإن اسم زيدان لا يرتبط فقط بالقمصان البيضاء أو بالكرة الذهبية، بل يرتبط أيضًا بليلة غلاسكو عام 2002، عندما ارتقى ليسدد واحدة من أشهر التسديدات الطائرة في تاريخ دوري أبطال أوروبا، ويمنح ريال مدريد اللقب التاسع في تاريخه آنذاك.

1. المسيرة الكروية والمحطات

البدايات.. من مرسيليا إلى كان

وُلد زين الدين زيدان في مدينة مرسيليا الفرنسية يوم 23 يونيو 1972، ونشأ في بيئة ساعدته على تكوين شخصية قوية قبل أن تبدأ موهبته الكروية في الظهور.

بدأ رحلته مع فرق الناشئين في مرسيليا، قبل أن ينتقل إلى كان، حيث حصل على فرصته الأولى في الدوري الفرنسي وهو في السابعة عشرة من عمره.

كانت بدايته هادئة مقارنة بما سيأتي لاحقًا، لكن موهبته الفنية كانت واضحة؛ فزيدان امتلك منذ صغره قدرة استثنائية على التحكم في الكرة والاحتفاظ بها تحت الضغط، إلى جانب رؤية مختلفة للملعب.

بوردو.. بداية ظهور الساحر

في عام 1992 انتقل زيدان إلى بوردو، وهناك بدأ اسمه في الظهور على المستوى الأوروبي.

خلال أربع سنوات مع النادي الفرنسي، تطور اللاعب بصورة كبيرة، وأصبح واحدًا من أهم المواهب الصاعدة في أوروبا.

ووصل مع بوردو إلى نهائي كأس الاتحاد الأوروبي عام 1996، وهي المحطة التي ساهمت في فتح أبواب الأندية الكبرى أمامه.

لم يعد زيدان في ذلك الوقت مجرد لاعب موهوب، بل أصبح لاعبًا قادرًا على قيادة خط الوسط وصناعة الفارق في المباريات الكبيرة.

يوفنتوس.. التحول إلى نجم عالمي

في عام 1996 انتقل زيدان إلى يوفنتوس، وكانت تلك الخطوة نقطة التحول الكبرى في مسيرته.

في تورينو، تطور اللاعب بصورة هائلة، وانتقل من موهبة فرنسية إلى نجم عالمي.

حقق مع يوفنتوس لقب الدوري الإيطالي مرتين، كما فاز بكأس السوبر الأوروبي وكأس الإنتركونتيننتال، ووصل إلى نهائي دوري أبطال أوروبا مرتين عامي 1997 و1998.

ورغم خسارته نهائي دوري الأبطال مرتين مع يوفنتوس، فإن الفترة الإيطالية كانت ضرورية في بناء شخصية زيدان؛ إذ تعلم خلالها كيفية التعامل مع المباريات التكتيكية والضغط العالي، وأصبح لاعبًا أكثر نضجًا وقدرة على التحكم في إيقاع اللعب.

ريال مدريد.. الوصول إلى قمة المجد

في صيف 2001، انتقل زيدان إلى ريال مدريد في صفقة قياسية عالميًا بلغت نحو 75 مليون يورو وفق سجلات UEFA.

كان ريال مدريد في ذلك الوقت يبني جيلًا استثنائيًا عُرف باسم الجالاكتيكوس، وضم إلى جانب زيدان أسماء مثل لويس فيجو، راؤول، روبرتو كارلوس، وإيكر كاسياس.

لكن زيدان لم يحتج إلى وقت طويل لإثبات أنه أكثر من مجرد صفقة ضخمة.

في موسمه الأول، جاء المشهد الذي أصبح جزءًا من تاريخ دوري أبطال أوروبا.

نهائي دوري أبطال أوروبا 2002 أمام باير ليفركوزن في غلاسكو.

تمريرة من روبرتو كارلوس وصلت إلى زيدان، ليسدد الفرنسي كرة طائرة بقدمه اليسرى استقرت في الشباك، في هدف أصبح من أشهر الأهداف في تاريخ البطولة.

كان ذلك الهدف هو التوقيع الحقيقي لزيدان على تاريخ ريال مدريد.

وخلال خمس سنوات مع النادي، خاض زيدان 227 مباراة رسمية وسجل 49 هدفًا، وفاز بدوري أبطال أوروبا، وكأس الإنتركونتيننتال، وكأس السوبر الأوروبي، والدوري الإسباني، وكأس السوبر الإسباني مرتين.

وفي عام 2006، أنهى زيدان مسيرته كلاعب كرة قدم بعد كأس العالم في ألمانيا.


2. زيدان مع منتخب فرنسا.. من بطل العالم إلى أسطورة الديوك

إذا كانت مسيرة زيدان مع الأندية عظيمة، فإن قصته مع المنتخب الفرنسي جعلته رمزًا وطنيًا.

خاض زيدان مع فرنسا 108 مباريات دولية وسجل 31 هدفًا وفق سجلات UEFA، بينما يذكر ريال مدريد في ملفه الرسمي 93 مباراة ضمن الفترة المرتبطة بسيرته المنشورة.

لكن الأرقام وحدها لا تستطيع شرح تأثيره.

كأس العالم 1998

في كأس العالم 1998 على الأراضي الفرنسية، تحول زيدان إلى بطل قومي.

وفي النهائي أمام البرازيل، سجل هدفين من ضربتي رأس، ليساهم بصورة مباشرة في فوز فرنسا بثلاثية نظيفة وتتويجها بكأس العالم للمرة الأولى في تاريخها.

ذلك الإنجاز وضع زيدان في مكان مختلف تمامًا.

يورو 2000

بعد عامين فقط، قاد زيدان فرنسا إلى بطولة أمم أوروبا 2000.

وكان أحد أهم عناصر الفريق الذي توج بالبطولة، بعدما أصبح المنتخب الفرنسي القوة الأبرز في كرة القدم العالمية في تلك الفترة.

وتؤكد UEFA أن زيدان جمع بين كأس العالم 1998 وبطولة أوروبا 2000، قبل أن يعود في 2006 لخوض آخر بطولة كبرى له مع المنتخب.

كأس العالم 2006.. النهاية الدرامية

عاد زيدان عن اعتزاله الدولي للمشاركة في كأس العالم 2006، وقاد فرنسا حتى النهائي.

وفي المباراة النهائية أمام إيطاليا، سجل هدف فرنسا من ركلة جزاء بطريقة شهيرة، قبل أن يحصل على البطاقة الحمراء في الوقت الإضافي بعد الواقعة الشهيرة مع ماركو ماتيراتزي.

كانت تلك اللحظة هي النهاية الحقيقية لمسيرته كلاعب.

نهاية مثيرة للجدل، لكنها لا تستطيع أن تمحو بطولة كاملة من الإنجازات.


3. السجل الرقمي والإحصائيات

البند الرقم
تاريخ الميلاد 23 يونيو 1972
المركز لاعب وسط هجومي
ريال مدريد 227 مباراة
أهداف ريال مدريد 49 هدفًا
منتخب فرنسا 108 مباريات دولية
أهداف فرنسا 31 هدفًا
الكرة الذهبية 1
كأس العالم 1
يورو 1
دوري أبطال أوروبا كلاعب 1
الدوري الإيطالي 2
الدوري الإسباني 1

وتبرز أرقام زيدان مع ريال مدريد حجم تأثيره؛ فقد خاض 227 مباراة رسمية وسجل 49 هدفًا خلال خمس سنوات فقط.

لكن بالنسبة إلى زيدان، لا يمكن تقييم المسيرة بالأرقام وحدها.

فأهمية اللاعب كانت في متى ظهر، وليس فقط في عدد المرات التي سجل فيها.

هدفه في نهائي دوري الأبطال 2002، وهدفاه في نهائي كأس العالم 1998، وأداؤه في يورو 2000، كلها لحظات أكبر من مجرد أرقام في جدول إحصائي.


4. دولاب البطولات والإنجازات

مع الأندية

حقق زيدان خلال مسيرته مجموعة من أهم البطولات الأوروبية:

مع يوفنتوس:

  • الدوري الإيطالي: مرتان.
  • كأس السوبر الأوروبي.
  • كأس الإنتركونتيننتال.
  • وصافة دوري أبطال أوروبا مرتين.

مع ريال مدريد:

  • دوري أبطال أوروبا: مرة.
  • الدوري الإسباني: مرة.
  • كأس الإنتركونتيننتال: مرة.
  • كأس السوبر الأوروبي: مرة.
  • كأس السوبر الإسباني: مرتان.

ويؤكد ريال مدريد أن زيدان فاز خلال مسيرته مع النادي بستة ألقاب كلاعب.

مع منتخب فرنسا

أما على المستوى الدولي، فكانت أهم إنجازاته:

  • كأس العالم 1998.
  • يورو 2000.

وهو أحد اللاعبين القلائل الذين جمعوا بين لقب كأس العالم وبطولة أوروبا في فترة زمنية قصيرة.

الجوائز الفردية

عام 1998 كان عامًا استثنائيًا في مسيرة زيدان.

بعد قيادته فرنسا للفوز بكأس العالم، حصل على:

  • الكرة الذهبية 1998.
  • جائزة أفضل لاعب أوروبي.
  • جائزة أفضل لاعب في العالم من FIFA.

كما حصل لاحقًا على جائزة أفضل لاعب في العالم من FIFA عامي 2000 و2003.

وهكذا أصبح زيدان واحدًا من أبرز لاعبي جيله على المستوى الفردي والجماعي.


5. التحليل التكتيكي لأسلوب لعب زيدان

الساحر رقم 10

كان زيدان في الأساس لاعب وسط هجومي من الطراز الكلاسيكي، لكنه لم يكن مجرد صانع ألعاب يقف خلف المهاجمين.

كان يتحرك بحرية كبيرة بين الخطوط، وينزل أحيانًا إلى منتصف الملعب لاستلام الكرة، ثم يتقدم بها أو يبحث عن التمريرة التي تكسر دفاع الخصم.

UEFA وصفته بأنه لاعب رقم 10 مهيب، يجمع بين المهارة والرؤية والقدرة على التحكم في اللعب.

التحكم في الكرة

ربما كانت أهم ميزة في زيدان هي قدرته على استقبال الكرة تحت الضغط وكأنه لا يشعر بوجود المنافس.

كان يستخدم جسده بطريقة ذكية، ويستعمل القدمين، ويغير اتجاهه بسرعة، ويمنح نفسه مساحة صغيرة جدًا تكفي للخروج من الموقف.

ولهذا ارتبط اسمه بحركات مثل روليت زيدان، التي أصبحت إحدى أشهر مهارات كرة القدم.

التمريرة الأخيرة

زيدان لم يكن لاعبًا يبحث عن التمريرة السهلة.

كان دائمًا يبحث عن المساحة بين خطوط المنافس.

تمريراته كانت قادرة على تحويل الهجمة من حالة ثابتة إلى فرصة خطيرة خلال لحظة واحدة.

التسديد

رغم أن زيدان لم يكن هدافًا بالمعنى التقليدي، فإنه امتلك قدرة كبيرة على التسديد من خارج المنطقة.

والأهم أنه كان يظهر في اللحظات التي تحتاج إلى لاعب صاحب شخصية.

أكبر دليل هو هدفه في نهائي دوري أبطال أوروبا 2002.

اللعب تحت الضغط

أحد أسرار عظمة زيدان أنه كان يبدو أفضل كلما ارتفع مستوى المباراة.

المباريات الكبيرة لم تكن تخيفه، بل كانت تمنحه مساحة لإظهار شخصيته.

وهذا ما يفسر بقاء اسمه مرتبطًا بالنهائيات الكبرى حتى بعد اعتزاله.


6. زيدان المدرب.. عندما انتقلت العبقرية من الملعب إلى الخط

لو انتهت قصة زيدان عند اعتزاله كلاعب، لكان بالفعل أسطورة.

لكن ما حدث بعد ذلك جعله أكثر استثنائية.

عاد زيدان إلى ريال مدريد كمدرب، وتولى قيادة الفريق الأول في فترتين، الأولى من 2016 إلى 2018، والثانية من 2019 إلى 2021.

وخلال فترتيه مع الفريق، حقق 11 لقبًا، بينها:

  • 3 دوري أبطال أوروبا.
  • 2 كأس العالم للأندية.
  • 2 كأس السوبر الأوروبي.
  • لقبان للدوري الإسباني.
  • لقبان لكأس السوبر الإسباني.

ويظل الإنجاز الأعظم هو قيادة ريال مدريد إلى الفوز بدوري أبطال أوروبا ثلاث مرات متتالية بين 2016 و2018، وهو إنجاز تاريخي في حقبة دوري الأبطال الحديثة.

وهنا تصبح قصة زيدان مختلفة عن معظم الأساطير.

فهو لم يكتفِ بأن يكون أحد أعظم لاعبي ريال مدريد، بل عاد بعد سنوات ليصبح واحدًا من أنجح مدربيه.


7. الحكم النهائي على المسيرة والمكانة التاريخية

هناك لاعبين عظماء بسبب أرقامهم.

وهناك لاعبون عظماء بسبب بطولاتهم.

وهناك لاعبون تصبح قيمتهم أكبر من الاثنين.

زين الدين زيدان ينتمي إلى الفئة الثالثة.

كان لاعبًا قادرًا على التحكم في المباراة بإيقاعه، وعلى صناعة الفارق دون الحاجة إلى تسجيل هدف في كل مباراة.

فاز بكأس العالم، ويورو، ودوري أبطال أوروبا، والكرة الذهبية، والدوري الإيطالي والإسباني.

ثم عاد بعد سنوات إلى ريال مدريد كمدرب، ليقود الفريق إلى ثلاث بطولات متتالية في دوري أبطال أوروبا.

وهذا يجعل إرثه فريدًا.

فزيدان ليس فقط نجم ريال مدريد، ولا مجرد أسطورة فرنسية، بل واحد من أهم الشخصيات الكروية التي جمعت بين الموهبة كلاعب والنجاح كمدرب.

وبالنسبة إلى أوستي سبورت بالعربي، فإن أفضل وصف لمسيرة زيدان ربما يكون:

لاعب جعل كرة القدم تبدو سهلة، ومدرب جعل المستحيل يبدو عاديًا.

لقد ترك الملعب في 2006، لكن صورته لم تغادر كرة القدم.

ما زالت تلك اللمسة، وتلك الكرة الطائرة في غلاسكو، وهدفاه في نهائي 1998، وقيادته لريال مدريد من مقاعد المدربين، تجعل اسم زين الدين زيدان حاضرًا كلما بدأ الحديث عن عظماء اللعبة.

وفي النهاية، ربما لا يحتاج زيدان إلى لقب “الأفضل” حتى يثبت مكانته.

يكفي أن تقول زيدان، ليتذكر عشاق كرة القدم لاعبًا جعل الأناقة والعبقرية والهدوء تحت الضغط جزءًا من هوية كرة القدم نفسها.

 

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *