بداية كرة الشراب في مصر.. عندما كانت الحواري مصنع نجوم الكرة
قبل أن تعرف الأحياء المصرية الملاعب الخماسية، وقبل أن تصبح كرة القدم صناعة ضخمة ومباريات تُنقل بالملايين، كانت هناك كرة مختلفة تمامًا.. كرة مصنوعة من الشرابات القديمة والخيوط والقطن والإسفنج، لكنها كانت كافية لصناعة واحدة من أجمل ذكريات كرة القدم في مصر: الكرة الشراب.
وفي أوستي سبورت بالعربي نعود إلى واحدة من أهم الحكايات الشعبية في تاريخ الكرة المصرية، لنتعرف على كيف بدأت كرة الشراب، ولماذا أصبحت جزءًا من طفولة أجيال كاملة.
كيف بدأت كرة الشراب في مصر؟
ظهرت كرة الشراب كحل بسيط للأطفال الذين لم تكن لديهم القدرة على شراء كرة قدم حقيقية. وفي بدايات القرن العشرين، كان الأطفال يصنعون كرة صغيرة من الشرابات القديمة، والقطن والإسفنج والخيوط، ثم يقومون بلفها وتثبيتها حتى تصبح صالحة للعب.
ومع مرور الوقت، تطورت طريقة تصنيعها، فأصبحت الكرة تُصنع من الإسفنج أو القماش، ثم تُلف بالخيوط وتُثبت باستخدام مادة «الكُلة»، لتأخذ شكلًا أكثر تماسكًا. وكانت تكلفة تصنيعها بسيطة للغاية مقارنة بشراء كرة قدم حقيقية.
الشارع كان الملعب.. والحجر كان القائم
لم تكن كرة الشراب تحتاج إلى استاد أو ملعب مجهز. شارع صغير أو حارة ضيقة كانا كافيين لإقامة مباراة كاملة.
كان الأطفال يحددون المرمى باستخدام الحجارة أو الطوب، وأحيانًا كانت الملابس أو الأحذية تحدد حدود الملعب. وكان عدد اللاعبين قليلًا، وهو ما جعل المهارة والمراوغة والسيطرة على الكرة أهم من القوة البدنية.
وهنا ظهرت كلمة «الحريف» في صورتها الشعبية؛ اللاعب الذي يستطيع الاحتفاظ بالكرة، ومراوغة أكثر من لاعب، وتقديم مهارات تجعل الموجودين حول الملعب يتوقفون لمشاهدته.
من الحواري خرج نجوم كبار
لم تكن كرة الشراب مجرد لعبة للأطفال، بل كانت في كثير من الأحيان البداية الحقيقية لمشوار عدد من المواهب المصرية. وتذكر مصادر صحفية أسماء نجوم مثل محمود الخطيب وحسن شحاتة وحسن الشاذلي ومحمود أبو رجيلة وغيرهم ممن كانت الشوارع والحواري جزءًا من بداياتهم الكروية.
كما اشتهرت مناطق عديدة في القاهرة والإسكندرية بمباريات كرة الشراب، وأصبحت بعض الساحات نقطة تجمع لاكتشاف المواهب.
ومن أشهر الأمثلة دورة «الفلكي» بالإسكندرية، التي تأسست عام 1976 وبدأت أصلًا بمباريات كرة الشراب، قبل أن تتحول إلى واحدة من أشهر الدورات الرمضانية، وخرج منها لاعبون وصلوا إلى الدوري الممتاز والمنتخب المصري.
الكرة الشراب في السينما والذاكرة المصرية
دخلت كرة الشراب أيضًا إلى الثقافة الشعبية والسينما المصرية، وكان فيلم «الحريف» من أبرز الأعمال التي أعادت تقديم عالم الشوارع والحرافيش واللاعب الذي يحلم بإثبات نفسه بعيدًا عن الملاعب الرسمية.
وأصبحت أسماء مثل «الحافي» و«أراجوز» و«بطاطا» مرتبطة بذاكرة الكرة الشراب ونجومها، لتتحول اللعبة من مجرد وسيلة للعب إلى جزء من الحكايات التي تتناقلها الأجيال.
لماذا اختفت كرة الشراب؟
مع ظهور الملاعب الخماسية، وانتشار أكاديميات كرة القدم، وتطور صناعة الرياضة، بدأت كرة الشراب في التراجع تدريجيًا، خصوصًا منذ التسعينيات. وأصبح الأطفال يملكون فرصًا أكبر للتدريب داخل ملاعب مجهزة بدلًا من اللعب في الشوارع.
لكن اختفاءها لم يكن كاملًا، إذ عادت أجواؤها في السنوات الأخيرة من خلال الدورات الشعبية والرمضانية.
وفي مارس 2025، شهدت مصر نهائي كأس مصر للكرة الشراب، في بطولة شارك فيها عدد كبير من الفرق وأقيمت خلالها 450 مباراة، في محاولة لإحياء هذا التراث الرياضي الشعبي واكتشاف المواهب.
كرة الشراب.. أكثر من مجرد لعبة
قصة الكرة الشراب تكشف جانبًا مهمًا من شخصية كرة القدم المصرية؛ فالموهبة لم تكن تحتاج دائمًا إلى أكاديمية أو ملعب فاخر، بل كانت تحتاج إلى شارع، ورفاق، وشيء يشبه الكرة.
وربما لهذا السبب تحديدًا لا تزال كرة الشراب حاضرة في ذاكرة المصريين، لأنها تمثل زمنًا كانت فيه كرة القدم أبسط، وأكثر تلقائية، وكان الشارع هو أول ملعب، والموهبة هي جواز المرور الحقيقي.
وتستمر أوستي سبورت بالعربي في تقديم حكايات الكرة المصرية والعربية التي صنعت تاريخ اللعبة، ليس فقط من داخل الملاعب الكبرى، ولكن أيضًا من الشوارع والحارات التي خرجت منها أجيال من النجوم.











